كثيرًا ما يُقدَّم الشغف على أنه شيء واضح ينتظرنا لنكتشفه. عمل نحبه منذ اللحظة الأولى، أو مجال نشعر تجاهه بحماس كبير منذ البداية. لكن تجربة معظم الناس مع الشغف مختلفة قليلًا عن هذه الصورة المثالية.
في الواقع، الشغف لا يظهر دائمًا بشكل مفاجئ وواضح. أحيانًا يبدأ كفضول بسيط تجاه فكرة، أو اهتمام صغير بمجال ما. ومع الوقت، ومع التجربة والتعلّم، يتحول هذا الفضول تدريجيًا إلى اهتمام أعمق، وربما إلى شغف حقيقي.
المشكلة أن كثيرًا من الناس يعتقدون أنهم لم يجدوا شغفهم بعد، فقط لأنهم ينتظرون شعورًا قويًا ومباشرًا يدلهم عليه. ينتظرون تلك اللحظة التي يقولون فيها بثقة: “هذا هو الشيء الذي خُلقت لأجله.”
لكن الحياة المهنية، في أغلب الأحيان، لا تكون بهذه الطريقة. غالبًا ما يتكوّن الشغف أثناء الرحلة، لا قبل أن تبدأ. يظهر عندما نعطي أنفسنا فرصة للتجربة، عندما نتعلم مهارة جديدة، أو عندما نستمر في مجال لفترة كافية لنفهمه بعمق. فكلما تعلّم الإنسان أكثر، أصبح أكثر قدرة على التقدير والمتعة بما يفعله. ومع هذا الفهم، يبدأ الشعور بالانتماء إلى العمل أو المجال بالنمو تدريجيًا.
الشغف ليس دائمًا بداية الرحلة، بل قد يكون نتيجة لها.
كثير من الأشخاص الذين يبدو أنهم “وجدوا شغفهم” اليوم، لم يصلوا إليه فجأة. بل مرّوا بتجارب مختلفة، وأحيانًا بتجارب لم تكن واضحة المعالم في البداية. لكن مع الاستمرار والتعلّم، أصبح ما يفعلونه أكثر معنى بالنسبة لهم. وهذا لا يعني أن كل عمل يجب أن يكون شغفًا.
أحيانًا يكون العمل وسيلة للاستقرار أو التعلم أو بناء الخبرة. لكن حتى في هذه الحالات، يمكن أن يظهر الشغف في التفاصيل الصغيرة: في تطوير المهارة، أو في الإتقان، أو في التأثير الذي نصنعه في حياة الآخرين.
لذلك، بدل أن ننشغل بالسؤال التقليدي: “ما هو شغفي؟” ربما يكون السؤال الأهم هو: ما الشيء الذي أستمتع بتعلّمه؟ ما المجال الذي لا أمانع أن أبذل فيه جهدًا لأصبح أفضل فيه؟ ما العمل الذي أشعر فيه أنني أتقدم، حتى لو كان التقدم بطيئًا؟
الإجابات على هذه الأسئلة قد لا تقود مباشرة إلى شغف واضح، لكنها تقود إلى طريق يمكن أن يتكوّن فيه الشغف مع الوقت.
في النهاية، الشغف ليس دائمًا شرارة مفاجئة، بل كثيرًا ما يكون نتيجة طبيعية للفضول، والتجربة، والاستمرار.
19 فبراير 2026